تحليلات

المبادرة الروسية للوساطة بين إثيوبيا وإريتريا التوقيت والدلالات الاستراتيجية

لا يمكن قراءة  التحرك الروسي للوساطة بين إثيوبيا وإريتريا باعتباره مسعى دبلوماسيًا منفصلًا عن التحولات الأمنية والجيوسياسية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. فالعلاقة بين البلدين تتجاوز الخلافات الحدودية إلى التنافس على النفوذ الإقليمي، ومعادلات الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر، ومستقبل التوازنات في منطقة تتقاطع فيها مصالح القوى الدولية والإقليمية.

وتكتسب المبادرة أهميتها من توقيتها، في ظل تصاعد المخاوف من تحول التوتر الإثيوبي–الإريتري إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، بما قد يترتب عليها من تداعيات تتجاوز البلدين إلى السودان والصومال وجيبوتي، فضلًا عن أمن الملاحة في البحر الأحمر. ومن ثم، فإن تقييم المبادرة الروسية يقتضي التمييز بين هدفها المعلن، المتمثل في احتواء التوتر، وأهدافها الاستراتيجية المحتملة المرتبطة بتعزيز الحضور الروسي في المنطقة.

توقيت المبادرة وسياقها المباشر

أعلنت موسكو استعدادها لتسهيل الاتصالات بين أديس أبابا وأسمرة، على لسان نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر عليموف، مع طرح إمكانية عقد لقاءات على هامش القمة الروسية–الإفريقية الثالثة في موسكو يومي 28 و29 أكتوبر 2026 وحتى 19 أكتوبر، لم تتأكد موافقة الطرفين على عقد محادثات فعلية.

وتأتي المبادرة في لحظة تصعيد استثنائية، بعد قطع إريتريا العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا في الأول من أكتوبر الحالي، وسط اتهامات متبادلة بشأن التحركات العسكرية في إقليم تقراي، ودعم الجماعات المسلحة، والمقاصد الإثيوبية من السعي إلى منفذ سيادي على البحر الأحمر. وتنفي أسمرة اتهامات أديس أبابا بالتدخل العسكري، فيما ترى إرتريا أن الخطاب الإثيوبي بشأن الوصول إلى البحر يهدد سيادتها.

وعليه، لا تنطلق المبادرة من خلاف دبلوماسي قابل للاحتواء بسهولة، بل من تداخل ثلاثة مستويات من الصراع:

ـــ أزمة الثقة بين الدولتين

ـــ التنافس على النفوذ

ــــ والوصول إلى البحر الأحمر، والارتباط المتزايد بين النزاع الإثيوبي الداخلي والتوازنات الإقليمية.

الدلالات الاستراتيجية للمبادرة الروسية

منع انزلاق الأزمة إلى حرب إقليمية

تمثل الوساطة محاولة لاحتواء التصعيد قبل أن يتحول إلى مواجهة مباشرة بين الجيشين الإثيوبي والإريتري. فاندلاع حرب جديدة لن يقتصر أثره على الحدود المشتركة، بل قد يعيد تشكيل التحالفات في القرن الإفريقي، ويزيد احتمالات تداخل الأزمة مع الصراع في السودان والتنافس المصري–الإثيوبي. كما يهدد أمن الملاحة والتجارة في البحر الأحمر. وقد حذرت تقارير دولية حديثة من اتساع نطاق المواجهة بفعل تشابك هذه الملفات.

حماية المصالح الروسية لدى الطرفين

تملك روسيا مصلحة في تجنب خسارة أي من شريكيها المحتملين. فإثيوبيا دولة محورية في القرن الإفريقي، وتمثل سوقًا مهمة للتعاون العسكري والتقني والاقتصادي، بينما تكتسب إريتريا أهمية جيوسياسية بحكم موقعها على البحر الأحمر وعلاقاتها السياسية مع موسكو.

ومن هذا المنظور، تبدو الوساطة أداة لإدارة التوازن بين الطرفين، وتجنب اضطرار روسيا إلى الانحياز الصريح إلى أحدهما. كما تتيح لها توظيف علاقاتها الثنائية لإظهار قدرتها على أداء دور دبلوماسي في منطقة تتنافس فيها قوى دولية متعددة.

تعزيز الحضور الروسي في معادلات البحر الأحمر

يتجاوز الهدف الروسي احتواء الحرب المحتملة إلى تثبيت موقع موسكو في ترتيبات الأمن الإقليمي. فاستضافة الاتصالات على هامش القمة الروسية–الإفريقية تمنح المبادرة بعدًا سياسيًا يتجاوز العلاقة الثنائية، وتقدم روسيا باعتبارها طرفًا قادرًا على فتح قنوات الحوار في أزمات القارة.

لكن ينبغي التمييز بين هذا الاستنتاج الاستراتيجي وبين الوقائع المؤكدة: لا تتوافر، حتى الآن، أدلة كافية على أن موسكو طرحت تسوية محددة بشأن الموانئ أو السيادة البحرية أو الترتيبات الأمنية على البحر الأحمر.

اختبار حدود التأثير الروسي

لا تعني المبادرة بالضرورة امتلاك موسكو أدوات كافية لفرض تسوية. فالوساطة تتطلب قبولًا متبادلًا، وقنوات اتصال فعالة، وقدرة على معالجة القضايا التي تعتبرها الدولتان مرتبطة بأمنهما القومي. وإذا اقتصرت المبادرة على لقاء بروتوكولي أو دعوة عامة إلى التهدئة، فقد تحقق مكسبًا دبلوماسيًا لروسيا دون أن تحدث اختراقًا فعليًا في الأزمة.

ما الذي يمكن أن تعنيه المبادرة لأديس أبابا وأسمرا؟

بالنسبة إلى إثيوبيا، توفر المبادرة فرصة لتخفيف الضغط على جبهتها الشمالية، ومنع تحول التوتر مع إريتريا إلى حرب تستنزف قدراتها في وقت تواجه فيه تحديات داخلية وأمنية. لكنها لن تحل بمفردها معضلة الوصول إلى البحر الأحمر، التي تحتاج إلى ترتيبات تفاوضية واضحة تحترم سيادة الدول والقانون الدولي.

أما إريتريا، فقد ترى في الوساطة فرصة لاحتواء ما تعتبره تهديدًا استراتيجيًا من جارتها الأكبر، والحصول على ضمانات بشأن الحدود والسيادة، دون الدخول في مواجهة عسكرية واسعة. وفي المقابل، قد تتحفظ أسمرة على أي مسار تفاوضي يُفسر على أنه إقرار مسبق بالمطالب الإثيوبية البحرية أو تنازل عن مواقفها الأمنية.

وتبقى العقبة الأساسية أن الطرفين لا يختلفان فقط على كيفية إدارة الأزمة، بل على تعريف جذورها ومصادر التهديد فيها. ولذلك، فإن مجرد جمعهما إلى طاولة واحدة لا يكفي ما لم يترافق ذلك مع إجراءات لبناء الثقة وآليات للتحقق من الالتزامات.

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: انفتاح دبلوماسي محدود

قبول الطرفين الاتصالات الروسية، بما يتيح خفض حدة الخطاب وفتح قنوات اتصال غير مباشرة، دون تسوية فورية للقضايا الخلافية. وهو المسار الأقل كلفة إذا توافرت إرادة سياسية أولية.

السيناريو الثاني: تعثر الوساطة واستمرار الردع المتبادل

عدم التوصل إلى تفاهم بشأن الحدود والتحركات العسكرية والوصول إلى البحر، مع استمرار الاتصالات السياسية دون تغيير ملموس في الواقع الميداني. وقد تصبح المبادرة غطاءً دبلوماسيًا لاحتواء مؤقت بدلًا من معالجة أسباب الأزمة.

السيناريو الثالث: اتساع المواجهة

فشل الاتصالات بالتزامن مع تصعيد عسكري أو حادث حدودي كبير، بما يرفع احتمال المواجهة المباشرة ويضع القوى الإقليمية أمام ضغوط متزايدة للانحياز أو التدخل. ولا يمكن استبعاد هذا المسار في ظل القطيعة الدبلوماسية وغياب الثقة.

هذه السيناريوهات احتمالات تحليلية وليست تنبؤات مؤكدة، ويتوقف ترجيح أحدها على موقف الطرفين من المبادرة، وتطورات الميدان، ومدى استعداد موسكو للانتقال من عرض الاستضافة إلى وساطة ذات أجندة وآليات واضحة.

التقدير والتوصيات

تُظهر المبادرة الروسية إدراكًا لمخاطر التصعيد الإثيوبي–الإريتري، لكنها تعكس في الوقت نفسه مصالح موسكو في حماية علاقاتها الإقليمية وتعزيز حضورها الدبلوماسي. وتكمن أهميتها الأساسية في أنها تطرح قناة اتصال في لحظة تتراجع فيها فرص التفاهم المباشر، لا في أنها تقدم، حتى الآن، تسوية مكتملة للأزمة.

وفي سياق تقدير الموقف، ينبغي متابعة أربعة مؤشرات حاسمة:

  • الموقف الرسمي للطرفين: هل تقبل أديس أبابا وأسمرا المشاركة في لقاء فعلي، أم تظل المبادرة في حدود العرض الروسي؟
  • طبيعة جدول الأعمال: هل تقتصر المحادثات على خفض التصعيد، أم تشمل الحدود، والاتهامات المتبادلة، والوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر؟
  • الضمانات وآليات التنفيذ: هل ستُطرح ترتيبات للتحقق من الالتزامات، وإعادة قنوات الاتصال، ومنع الحوادث العسكرية؟
  • التنسيق الإفريقي: هل تعمل موسكو بالتوازي مع الاتحاد الإفريقي، أم تتجه إلى مسار منفصل قد يحد من فرص بناء توافق إقليمي أوسع؟

الخلاصة

يمكن تصنيف المبادرة الروسية في باب محاولة منع تحول التنافس الإثيوبي–الإريتري إلى حرب تهدد توازنات القرن الإفريقي والبحر الأحمر، مع توظيف موسكو هذه اللحظة لتعزيز موقعها الإقليمي. غير أن نجاحها سيظل مرهونًا بقدرتها على الانتقال من الدبلوماسية الرمزية إلى معالجة مصادر التهديد المتبادل. وفي غياب تفاهمات عملية بشأن السيادة والحدود والأمن والوصول البحري، ستظل الوساطة فرصة لاحتواء الأزمة، لا ضمانة لتسويتها.

 

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) مؤسسة مستقلة تقدم دراسات وأبحاثاً حول القضايا الأفريقية لدعم صناع القرار بمعرفة دقيقة وموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى